فخر الدين الرازي

164

تفسير الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها ، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة ، والموصل إلى النعمة نعمة ، فهذا التكليف لا محالة من النعم ، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى : * ( لا تعبدون إلا الله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " يعبدون " بالياء والباقون بالتاء ، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم ، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء ، قال أبو عمرو : ألا ترى أنه جل ذكره قال : * ( وقولوا للناس حسناً ) * فدلت المخاطبة على التاء . المسألة الثانية : اختلفوا في موضع " يعبدون " من الأعراب على خمسة أقوال : القول الأول : قال الكسائي : رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل : أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت " أن " رفع الفعل كما قال طرفة : ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه " أن " وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم . القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم ، كأنه قيل : وإذا أقسمنا عليهم لا يعبدون ، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش . القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصباً كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله . القول الرابع : قول الفراء أن موضع " لا تعبدون " على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى : * ( لا تضار والدة بولدها ) * ( البقرة : 233 ) بالرفع والمعنى على النهي ، والذي يؤكد كونه نهياً أمور . أحدها : قوله : * ( أقيموا ) * ، وثانيها ؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي : * ( لا تعبدوا ) * . وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي ، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه . القول الخامس : التقدير أن لا تعبدوا تكون " أن " مع الفعل بدلاً عن الميثاق ، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم . المسألة الثالثة : هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره ، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه ، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد ، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة ، فقوله : * ( لا تعبدون إلا الله ) * يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها .